السيد محمد تقي المدرسي
147
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
الحلاج أما الذي دفع ثمن مذهبه ، وإن كان متأخراً ، فقد كان حسين بن منصور الحلاج الذي ولد عام 858 في بلده تقع على شواطئ الخليج الشرقية اسمها : ( البيضاء ) . وكان من أساتذته في التصوف المكي ( ت 909 ) والتستري ( ت 986 ) ، والشبلي ( ت 945 ) ، والجنيد ، وهم أربعة من أشهر الأعلام إطلاقاً في تاريخ التصوف . والراجح أن الجنيد هو الذي أقنعه بلبس ( الصوف ) ؛ وقد كان مرشده لمدة عشرين سنة ، لكنه كان متوجساً من غلوه وغرابة أطواره ، فانفصل عنه - كما قيل - لما بدا له من تعاليه وغطرسته « 1 » . وكان الحلاج غريب الأطوار ، قيل إنه أثناء حجته الأولى لزم ردهة المسجد الحرام لمدة عام كامل ، وإنه كان يجلس بعد ذلك على صخرة خارج مكة فيتصبب عرقاً ، وكان الحجاج يستغربون من لجاجته وعناده أكثر مما يستهويهم زهده وتقواه ، وقد قال أحدهم : إن هذا الرجل بعناده يحاول أن يتحدى الله بقدرته « 2 » . وكان لا يُخفي أفكاره عن الجمهور ، ويقال : إنه قد أقر في إحدى عظاته في مسجد المنصور ببغداد : أن الشريعة قد قضت بقتله ، ( ربما لأنه كشف السر الخفي ، سر حبه لله واتحاده به ) . وأقام عليه الوزير علي بن الفرات سنة ( 909 ) دعوى شرعية آخر الأمر ، لكنه لم يعتقل إلا بعد ذلك بأربع سنوات في بغداد حيث عين مجلس قضاء خاص لمحاكمته ، وذل في وزارة علي بن عيسى ، وقد اتهم بأنه عميل للقرامطة ، وألقي في السجن تسع سنوات ، ومع أنه حظي لفترة قصيرة من الزمن بعطف من الخليفة ، وذلك بفضل رئيس الحُجاب الذي كان يعطف على قضيته ، فقد ألصق به قاضي
--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 334 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 335 .